ترى سامية محمد، الباحثة في موقع هورن ريفيو، أن سياسة الموازنة التي تنتهجها الصومال بين إثيوبيا ومصر تواجه تناقضات استراتيجية قد تجعل استمرارها مستحيلًا على المدى الطويل.
فبينما تؤكد مقديشو حيادها وحرصها على الحفاظ على علاقات بنّاءة مع جميع الأطراف الإقليمية، تتعمق شراكاتها الأمنية والسياسية مع مصر، التي تخوض خلافات مستمرة مع إثيوبيا بشأن قضايا محورية، أبرزها سد النهضة الإثيوبي الكبير وأمن البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، لا تزال الصومال تعتمد على القوات الإثيوبية الموجودة على أراضيها في مواجهة حركة الشباب المسلحة.
وفي تحليل نشره موقع هورن ريفيو، تناقش سامية محمد الفجوة بين التصريحات الدبلوماسية الصومالية والواقع الأمني على الأرض، محذرة من أن ادعاء الحياد قد لا يكون سوى غطاء سياسي لمحاولة الاحتفاظ بالدعم العسكري الإثيوبي، بالتوازي مع توسيع العلاقات مع القاهرة وأطراف أخرى تنافس أديس أبابا. وترى الكاتبة أن استمرار هذه السياسة قد يعرّض التعاون الأمني مع إثيوبيا للتراجع، ويمنح حركة الشباب فرصًا جديدة لاستغلال الانقسامات الإقليمية والفراغات الأمنية.
الحياد الصومالي بين التصريحات السياسية والواقع الأمني
تشكك الكاتبة في الرواية التي طرحها نائب وزير الخارجية الصومالي، حسن محمد علي نادارا، خلال حديثه إلى الخدمة الصومالية في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، والتي أكد فيها أن بلاده تتبنى الحياد وتحافظ على علاقات بنّاءة مع جميع الأطراف الإقليمية، وأن علاقتها بإثيوبيا لم تشهد أي تغيير.
لكن، بحسب التحليل، لا تتوافق هذه التصريحات مع طبيعة الشراكات الأمنية والتحركات الدبلوماسية الصومالية. فمقديشو تحاول الاحتفاظ بالدعم العسكري الإثيوبي داخل أراضيها، بينما تعزز في الوقت نفسه تعاونها الأمني والسياسي مع مصر، التي تتعارض مصالحها الإقليمية مع المصالح الإثيوبية في ملفات أساسية.
وتشير الكاتبة إلى أن القوات الإثيوبية شكّلت لأكثر من عقد عنصرًا رئيسيًا في الجهود متعددة الجنسيات لمكافحة حركة الشباب، وعملت بموجب تفويضات متعاقبة من الاتحاد الأفريقي، وقدّمت دعمًا بشريًا واستخباراتيًا ولوجستيًا مهمًا في مناطق لا تستطيع القوات الصومالية الوطنية العمل فيها بصورة مستقلة حتى الآن. وبذلك، أصبح الوجود الإثيوبي جزءًا أساسيًا من العمليات اليومية لمكافحة التمرد.
وفي المقابل، وسّعت الصومال تعاونها مع مصر ليشمل اتفاقيات دفاعية وترتيبات للتدريب والتنسيق الدبلوماسي. وترى الكاتبة أن مصالح القاهرة في القرن الأفريقي تتعارض مع مصالح أديس أبابا، خصوصًا فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي الكبير والقضايا الأوسع المرتبطة بالبحر الأحمر. ولذلك، فإن تعميق العلاقات مع مصر لا يعكس حيادًا فعليًا، بل يضع الصومال ضمن اصطفاف إقليمي له تداعيات مباشرة على أمن إثيوبيا.
وتخلص الكاتبة إلى أن الحياد المعلن يُستخدم أداة دبلوماسية لإدارة التناقضات، لا وصفًا دقيقًا للسياسة الصومالية على أرض الواقع.
تراجع القوات الإثيوبية ومخاطر اتساع نفوذ حركة الشباب
تحذّر سامية محمد من أن الخطر الأكثر إلحاحًا لسياسة الصومال المزدوجة يتمثل في احتمال تقليص إثيوبيا وجود قواتها أو سحبها. فقد أظهرت أديس أبابا في فترات سابقة استعدادها لتعديل انتشار قواتها وفقًا لتقديرها لمصالحها الخاصة.
وإذا خلصت إثيوبيا إلى أن قواتها تسهم في استقرار حكومة صومالية تدعم، في الوقت نفسه، منافسيها الإقليميين، فقد تقرر تقليص التزامها العسكري. وقد لا يصدر عن ذلك إعلان مسبق، بل قد يظهر في صورة انسحاب تدريجي أو تضييق نطاق المناطق التي تقبل القوات الإثيوبية العمل فيها.
وتتوقع الكاتبة أن تترتب على هذا السيناريو عواقب خطيرة على الصومال، إذ تُعد القوات الإثيوبية من بين القوات البرية الأكثر فاعلية في حملة مكافحة التمرد. وقد يؤدي انسحابها أو تقليص انتشارها إلى فجوات أمنية فورية لا تستطيع القوات الصومالية الوطنية سدّها في الوقت الراهن.
وتستند هذه المخاوف إلى قدرة حركة الشباب على استغلال الفراغات الأمنية بصورة متكررة. فخسارة الأراضي، وارتفاع وتيرة الهجمات، وزيادة أعداد الضحايا بين أفراد قوات الأمن والمدنيين، كلها نتائج محتملة لأي تراجع في الوجود الإثيوبي.
ولا تقتصر المخاطر على عدد القوات المنتشرة، بل تشمل أيضًا تدهور نوعية التعاون الأمني. فعمليات مكافحة التمرد الفعالة تعتمد على الثقة وإمكانية التنبؤ بالتحركات والتنسيق المستمر، كما أن تبادل المعلومات الاستخباراتية والتخطيط المشترك والدعم اللوجستي ليست خدمات يمكن إيقافها واستئنافها دون عواقب.
وتحذّر الكاتبة من أن شعور إثيوبيا بأن الشراكة مع الصومال أصبحت أحادية الجانب قد يؤدي إلى تغيير طبيعة التعاون، حتى من دون إعلان رسمي. وقد يظهر ذلك في صورة تراجع تدريجي في الكفاءة العملياتية، وهو أمر بالغ الخطورة في بيئة أمنية تواجه تمردًا مسلحًا مستمرًا.
وفي الوقت نفسه، قد يمنح تعميق العلاقات مع مصر القاهرة نفوذًا أكبر داخل المنظومة الأمنية الصومالية. وقد يتجلى هذا النفوذ في السعي إلى التأثير في انتشار القوات المصرية بمناطق محددة، أو دعم قادة بعينهم، أو التأثير في القرارات السياسية الصومالية. ومع مرور الوقت، قد تصبح البنية الأمنية للصومال أكثر تأثرًا بأطراف خارجية تسعى إلى تحقيق أهدافها الإقليمية الخاصة، ما يغيّر موازين النفوذ والضغط على مقديشو.
وتؤكد الكاتبة أن حركة الشباب تنظيم قادر على التكيف؛ فقد أثبت قدرته على الصمود أمام الضغوط المستمرة، وتغيير تكتيكاته، واستغلال الانقسامات السياسية والأمنية. وأي تراجع في قدرات بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال «أوصوم» (AUSSOM)، أو في مستوى التنسيق بين القوات المشاركة، قد يبعث برسالة إلى الحركة مفادها أن خصومها منشغلون وأن المنظومة الأمنية تتفكك، ما يفتح أمامها فرصًا للتوسع وإعادة التسلل إلى مناطق سبق طردها منها.
وترى الكاتبة أن الحكومة الصومالية ستتحمل جزءًا كبيرًا من الكلفة السياسية، لأنها جعلت توفير الأمن ركيزة أساسية لشرعيتها، بينما ستطال التداعيات أيضًا جميع الأطراف التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار في البلاد.
استراتيجية صومالية تحتاج إلى وضوح في التحالفات
تخلص سامية محمد إلى أن استراتيجية الغموض المحسوب التي تتبعها الصومال لا يمكن أن تستمر إلى أجل غير مسمى. فادعاء الحياد يمنح مقديشو فرصة لتجنب القطيعة الفورية مع إثيوبيا، بينما تعمّق علاقاتها مع منافسيها الإقليميين. وقد تتيح هذه المقاربة للصومال، على المدى القصير، الاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من الخيارات، من خلال استمرار الوجود العسكري الإثيوبي واستكشاف شراكات بديلة.
لكن هذه السياسة، بحسب التحليل، تخلق تناقضات لا يمكن احتواؤها دون تكاليف. فكلما طال سعي الصومال إلى الجمع بين المسارين، زادت احتمالات فقدانها الدعم الأمني الذي تحتاج إليه والمرونة السياسية التي تحاول الحفاظ عليها.
وتؤكد الكاتبة أن بناء استراتيجية أمنية متماسكة يتطلب تحديد الشراكات الأساسية التي لا غنى عنها، وتمييزها عن الشراكات التكميلية، إلى جانب تقييم واقعي لقدرات الصومال الذاتية والمدة اللازمة لتطويرها. كما يتطلب إدراك أن الحياد لا يتحقق بمجرد إعلانه من جانب واحد، بل ينبغي أن ينعكس في سلوك متسق وعلاقات واضحة وشفافة مع الأطراف الإقليمية.
وتحذّر من أن استمرار مقديشو في اتباع سياسة مزدوجة دون معالجة تناقضاتها الداخلية قد يؤدي عمليًا إلى إضعاف الأمن على الأرض، وتقليص موثوقية الدعم الذي تحصل عليه من الدولة المجاورة التي تنتشر قواتها بالفعل داخل الأراضي الصومالية.
وتختتم الكاتبة تحليلها بالتنبيه إلى أن المكاسب الأمنية التي تحققت خلال العقد الماضي تظل هشة وقابلة للتراجع، إذا لم تتخذ الصومال قرارات واضحة بشأن تحالفاتها وأولوياتها الأمنية، وتوازن بين علاقاتها الإقليمية وقدرتها على حماية استقرارها الداخلي.
https://hornreview.org/2026/10/15/why-somalias-hedge-between-ethiopia-and-egypt-cannot-last/

